أبي منصور الماتريدي
228
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ألا ترى أنه قال : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي : لجبنتم . وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ . أي : اختلفتم في أمر القتال والحرب . وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ . قيل « 1 » : سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم ، فهزمهم ونصرهم عليهم . ويحتمل قوله : سَلَّمَ أي : أجاب للمسلمين ؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أي : عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم ، والله أعلم .
--> - أن يأمر نفسه وغيره . - أن يأمر مبلغا عن غيره . فإن كان المخاطب بالأمر هو الآمر ، فإنه لا يدخل تحت الأمر ؛ لعدم الفائدة في ذلك ، كما أنه لا يدخل الآمر تحت الأمر المطلق إلا بدليل يدل على ذلك . وهذه الجزئية متصلة بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم لأمته ، هل يدخل فيه ؟ فإن لها مأخذين : أحدهما : إن كان أمره من الله تعالى ، فيكون هو مبلغا لأمر الله . ثانيهما : بتقدير أن يكون هو الآمر ، فهل يدخل الآمر تحت أمر نفسه ؟ ! أما إن كان المخاطب ناقلا للأمر من غيره ، نظر في خطابه ، فإن كان يتناوله دخل فيهم ، وإلا لم يدخل فيهم . مثال الأول : أن يقول الإنسان لجماعة : إن فلانا يأمرنا بكذا وكذا . ومثال الثاني : أن يقول : إن فلانا يأمركم بكذا . وإن نقل كلام غيره ، ولم يذكر نفسه شيئا نحو قوله سبحانه وتعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فإن هذا يتناول الكل ؛ لأن الخطاب من الله تعالى يرد إلى كل مكلف إلا من استثناه الدليل . ولقد اختلف رأي الأصوليين في الآمر إذا أمر بلفظ يصلح له نحو قول السيد لعبده : أكرم من أحسن إليك ، وقد أحسن هو إليه ، فهل يدخل تحت هذا الأمر حتى يجب على العبد إكرامه ، أو لا يدخل ؟ قال البعض : يدخل ، واختار ذلك الجويني . وقيل : لا يدخل تحت أمره ؛ لأن الآمر يجب أن يكون فوق المأمور ، أما النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يبلغ عن الله - عزّ وجل - فهو وغيره فيه سواء إلا ما خصه الدليل ، وأما ما أمر به من ذات نفسه ، فلا يدخل فيه ، إلا أن يقصره الله عليه ، فحينئذ يدخل فيه ؛ لأن الأصل أن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ، إلا بدليل ؛ ولهذا إذا قال : أنا ضارب من في البيت ، لا تدخل نفسه فيه . ينظر : البرهان ( 1 / 367 ) ، والمحصول ( 1 / 2 / 620 ) ، ونهاية السول ( 2 / 358 ) . ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 259 ) ، ( 16169 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 342 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس .